خطاب وادان الثاني.. بيان وطني حول معركة الوعي/ إسماعيل ولد الرباني

الوئام الوطني/ في خطابه خلال افتتاح النسخة الرابعة عشرة من مهرجان “مدائن التراث”بمدينة وادان التاريخية، قدّم رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني قراءة سياسية-ثقافية عميقة لرهانات اللحظة الوطنية، متجاوزا الطابع الاحتفالي للحدث إلى توظيف رمزيته التاريخية في توجيه رسالة جامعة حول إعادة بناء الوعي الوطني وترسيخ المواطنة.

اختيار وادان، كمدينة ضاربة في عمق التاريخ، لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل رسالة في حد ذاته. فالمدائن التاريخية، بما تختزنه من ذاكرة جامعة، تمثل نموذجا لمجتمع موريتاني سابق على التشظي القبلي والجهوي، مجتمعٍ تشكّلت هويته حول العلم والتبادل والانفتاح.

ومن هذا المنطلق، بدا الخطاب كأنه استدعاء للتاريخ من أجل تصحيح مسار الحاضر والمستقبل.

لقد جاءت دعوة الرئيس إلى التخلي عن العقليات القبلية والجهوية والشرائية والفئوية بصيغة تشخيص صريح لا يوارب. فهو لا يكتفي بإدانة هذه السلوكيات، بل يضعها في خانة العقليات البائدة التي تتعارض جوهريا مع منطق الدولة الحديثة ومع متطلبات التنمية والعدالة الاجتماعية.

واللافت في هذا الطرح أنه يخرج من منطق الخطاب الإنشائي إلى تحميل المسؤولية الجماعية، مؤكدا أن الدولة، مهما امتلكت من أدوات قانونية وإدارية، لا تستطيع بمفردها تفكيك هذه البنى الذهنية المتجذرة دون انخراط فعلي للنخب السياسية والثقافية والإعلامية والفنية.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب توازنا وعمقا، ميّز الرئيس بين الاختلاف الديمقراطي المشروع وبين توظيف التجاذبات السياسية بشكل يهدد أسس الكيان الاجتماعي.

فالاختلاف، وفق هذا التصور، ليس خطرا، بل شرطا للتطور، غير أن خطورته تبدأ حين يتحول إلى أداة لتغذية الانقسامات والهويات الضيقة.

وهنا يطرح الخطاب رؤية ناضجة للديمقراطية، لا تختزلها في الصراع على السلطة، بل تربطها بمسؤولية أخلاقية ووطنية تحافظ على المشتركات الجامعة.

ومن أكثر النقاط جرأة في الخطاب إشارته إلى المفارقة التي تعيشها النخب الوطنية:ك، وهي قناعة نظرية راسخة بأهمية الوحدة الوطنية والمواطنة، يقابلها سلوك عملي يُفرغ هذه القناعة من مضمونها.

هذا التشخيص يضع النخب أمام مرآة نقد ذاتي نادر في الخطاب السياسي، ويحمّلها مسؤولية مباشرة في تراجع حضور مشروع المواطنة في سلم الأولويات الوطنية، سواء بقصد أو بدونه.

إن تجديد الدعوة إلى حوار شامل لا يُقصي أحدا ولا يستثني موضوعا، يعكس رغبة واضحة في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على قاعدة التشاركية والاعتراف المتبادل. وهو طرح ينسجم مع تشخيص الأزمة باعتبارها أزمة ثقة وعقليات، لا مجرد أزمة نصوص أو مؤسسات.

ولم يكن إدراج تعداد الإنجازات في مختلف المجالات ضمن الخطاب استعراضا، بل تثبيتا لفكرة مركزية مفادها أن مصلحة المواطن ظلت البوصلة الحاكمة للعمل الحكومي. وكأن الخطاب يربط بين الإصلاح المادي (البنية التحتية، الخدمات، التنمية) والإصلاح الرمزي (العقليات، المواطنة، الوحدة)، باعتبارهما مسارين متكاملين لا يستقيم أحدهما دون الآخر.

 

ولم يكن خطاب وادان الثاني بعد خطابها التاريخي قبل أربعة أعوام، مجرد كلمة رسمية في مناسبة معينة، بل بيان وطني حول معركة الوعي.

إنه دعوة إلى الانتقال من الدولة التي تُدير التنوع إلى الدولة التي تُنتج مواطنة جامعة، ومن الاختلاف المشتت إلى التعدد المنظم، ومن الإجماع اللفظي إلى الالتزام العملي.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وضع الكرة بوضوح في ملعب الجميع: الدولة، النخب، والمجتمع، معتبرا أن معركة بناء الوطن اليوم هي قبل كل شيء معركة تغيير العقليات.

 

إسماعيل ولد الرباني

المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء

جمعة, 19/12/2025 - 13:13