المحاظر القرآنية..بناء الشخصية وقرائن المستقبل.. زايدنا ولد باتي أنموذجا في باسكنو/ د. عبد المالك ان ولد حني

المحاظر القرآنية..بناء الشخصية وقرائن المستقبل..

زايدنا ولد باتي أنموذجا في باسكنو

 

تعود علاقة صاحبنا بالمحظرة إلى أكثر من عقود خلت، وكانت علاقة متميزة عندما نهل منها مبكرا في بيئة عائلته العلمية ثم في محاظر متخصصة كبيرة أخرى، عندها عرف كل منهما قدر الآخر، فعرفت المحظرة لشيخنا الحافظ المتقن مكانة المدرس الأمين والمربي المخلص، وعرف هو من طرفه للمحظرة رسالتها التي اختطها لنفسه في خدمة القرآن وعلومه، و"خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

إنه: طالبن الشيخ الإمام زايدن ولد باتي، استطاع الرجل بعزيمة المؤمن الصابر، وعلى نحو هادئ أن يرابط على ثغر التعليم وخدمة كتاب الله، فلم تصرفه التجارة ولا الثروة الحيوانية، ولا إكراهات السياسة، ولا صروف الحياة ولا أي اهتمام آخر، وخرج بالمحظرة من فوضى غياب النظام وعدم المنهجية إلى سعة التحصيل وصبر المداومة، ولم يقتصر إشعاع محظرته على جمهور باسكنو وإنما كان يتوافد إليه الطلبة من فصاله نيره، وكوش، وليره وأطرافها بجمهورية مالي الشقيقة، ليرتفع صوت القرآن إلى جهات بعيدة ويثير صدى محظرته انتباه الناس جميعا.

وثَقَ الرجل في بضاعته التي يمتلك بعناية وعرف كيف يعرضها فتسابق إليه الخاصة والعامة واضعا أهداف محظرته مُوَطِّئا معالِمها.

ورغم تجربته السابقة في التدريس للعائلات كما في (حلة) زعيم القبيلة وسيدها: سيدي ولد حنن، إلا أنه أخيرا جعل من بيته المتواضع قِبلة لحملة القرآن، وعنوانا لتداول القراءة والرواية، ليتحول التدريس لديه إلى مهنة وصناعة مخصوصة وعلم منفرد.

وُلِد الشيخ طالبن زايدنا أواسط الأربعينيات، ودرس على والده الحافظ: محمد النذير ولد باتي، أحد الأئمة القراء الأفذاذ بمطقتنا، وأخذ عن محمد الأمين ولد باريك، وخالنا حمود ولد الشيخ بوي ولد الشيخ أعمر، ليلقي عصا التسيار في محظرة طالبن آبه ولد الطالب عبد الل والتي حاز فيها على الإجازة -السند- في قراءة الإمام نافع الشاملة لروايتي ورش وقالون، وعاصر في هذه المحظرة: سيداتي ولد أحمد أبكر، وخونه ولد أحمد الحاج، ومحفوظي ولد طالبن آب، وفضيلي ولد شعبيط، والديه ولد أهل لوجيبه، ومختار ولد امحيمدات.

وأتذكر أواخر التسعينيات عندما آتي لباسكنو في الإجازة الصيفية وأتطوع بالتدريس شهور الراحة في منزلنا، كان يقصدني بعض تلاميذ الشيخ الذين تفطنت لذكائهم ونبوغ مهاراتهم العالية عند المذاكرة والشرح لهم، كالشيخ مولود ولد محمد الأمين ولد سيدينا وديدي ولد باتي -ابن الشيخ- والدده ولد الشيخ، ومحمد ولد أهل لوجيبه، وإلى جانب هذه الطبقة الأولى من الحفاظ أمدت المحظرة أهلنا بأجيال أخرى من المتقنين الحفاظ الشباب كمحمد الأمين ولد اماكه ولد خيار، والطاهر ولد النيب، والدكتور آبه ولد باتي -ابن الشيخ- وأبو بكر ولد أحمد الاسود، وبونه ولد سيداتي ولد أحمد لولي-حفيد بونه الحافظ- ثم لاحقا خرجت محظرة الشيخ زايدن: نجله الدكتور: سيدنا علي ولد باتي، وحيده ولد الخير وحماده ولد الشيخ ولد جدو، ووليد ولد بيبه، وعزيز ولد باتي، ومحمد فاضل الإديلبي من جمهورية مالي.

اجتهد الرجل في تعليم القرآن وطبقت شهرة محظرته الآفاق منافسة أعرق المحاظر في الحوظ في كوش و النعمه، وبوخزامه، ولكويسي، ولجواد، وكان سهم الشيخ في ذلك وافرا.

ونظرا لما كان للشيخ من عناية بالقرآن وعلومه فقد بلغ الغاية في الفصاحة وجودة الأداء وحسن الصوت وبيان مخارج الحروف وصفاتها، وطالما أمّنا -حفظه الله- في التراويح في مختلف مساجد المدينة، وانتهت إليه الكفاية والإحاطة في معرفة نصوص المحظرة القرآنية من (المعدود) -التانكتبت- واستيعاب أي أرجوزة أو نظم في فنون القرآن كابن بري، ورسم الطالب عبد الله، وحملة المسومي، ومضيء الاختلاف والجزرية، وتحفة الأطفال وغير ذلك من المدونات والملخصات المقيدة لقراءة نافع، وأخذ طلبة الشيخ بمنهجيته الصارمة وعولوا عليها وولع الناس بها فقصدوه واحتضنت محظرته أبناءهم.

تعرفت على الشيخ معرفة اختلاط وقرب عندما تجاورنا في السكن -وسط المدينة- وكان يُكِنُّ لأمي: لاله هايه بنت شيخنا ولد الشيخ أعمر، وعمي: حدمين ولد ان وخالي: إزيد بيه ولد عبد الله ولد محمد الأمين تقديرا خاصا، ثم عندما قرأتُ عليه بالمحظرة وأنا صغير بداية الثمانينيات، لتجمعنا لاحقا حلقات القراءة وموائد القرآن، وكان يحترمني ويُجِلُّني رغم عتَبِه وامتعاضه الشديد مما قد يحصل من التباينات والاختلافات الطفيفة في الأداء، وعرفتُ فيه العمل الدائب الإيجابي لخدمة القرآن.

ولا نبالغ إذا قلنا إن محظرته كان يرتادها العشرات من حملة القرآن، وتكتشف ذلك عندما ترمق الألواح محتمية بجدار بيت المحظرة، مشكلة لوحة من الإبداع والإفصاح والإفهام والإبلاغ.

تصدر الرجل الحفاظ من فئة عمره ومن هم أكبر منه سنا، بتركيزه ومنهجيته الصارمة وتجربته الرصينة، وقد أخذت محظرة طالبن زايدنا بمجامع القلوب والعقول، وانتشرت أصداؤها في ربوع الوطن، وكان شيخها فريدا في تحمل ألوان الصبر على الشدائد وشظف العيش، فريدا في ربانيته ومرابطته، وروحه التي ألِفَتْ المزج بين عبقرية المعلم القدوة، وما أخذ على نفسه من المراقبة الدائمة والحرص على الوصول إلى هذه الحصيلة المشرفة، وإنني لسعيد أن أرى غرس محظرته قد أينع، وإلى ترجمة جديدة لشيخ قرآني آخر، تقبل الله الصيام والقيام، وأعود فأكرر ترحيبي باقتراحاتكم وملاحظاتكم.

د. عبد المالك ان ولد حني، كاتب.

أحد, 22/02/2026 - 10:22