التهدئة في حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بين ضرورات الاستقرار وتحديات الحكامة / نوح محمد محمود

منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، اختار نهجا سياسيا يقوم على التهدئة والانفتاح النسبي، في محاولة لطي صفحات التوتر السياسي التي طبعت مراحل سابقة من تاريخ البلاد. وقد ظهر ذلك من خلال تخفيف حدة الخطاب الرسمي، وفتح قنوات تواصل مع بعض أطراف المعارضة، واعتماد خطاب يدعو إلى الوحدة الوطنية والابتعاد عن الصدام.
لقد جاءت هذه المقاربة في ظرف إقليمي شديد الحساسية، حيث تعيش منطقة الساحل اضطرابات أمنية وانقلابات عسكرية وصراعات اجتماعية متفاقمة. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن خيار التهدئة ساهم إلى حد بعيد في الحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي والأمني داخل موريتانيا، مقارنة بما تعيشه بعض دول الجوار.
كما أن الرئيس غزواني حاول تقديم صورة لرئيس توافقي أقل ميلا للصدام، وأكثر قربا من منطق الدولة الهادئة التي تفضل امتصاص الأزمات بدل مواجهتها بالعنف السياسي أو الأمني. وقد انعكس ذلك في أسلوبه الهادئ وخطابه المتزن، وهو ما اعتبره بعض المراقبين نقطة قوة في بلد متعدد الحساسيات الاجتماعية والعرقية والسياسية.
غير أن سياسة التهدئة، رغم أهميتها، واجهت انتقادات متزايدة من أطراف ترى أنها لم تتحول إلى إصلاحات عميقة تمس جوهر الحكامة ومحاربة الفساد. فالكثير من الأصوات تعتبر أن التهدئة السياسية وحدها لا تكفي إذا ظلت معاناة المواطنين قائمة، واستمرت اختلالات الإدارة، وضعف الخدمات الأساسية، وتراجع الثقة في بعض مؤسسات الدولة.
كما يرى منتقدون أن بعض مظاهر الفساد والمحسوبية ما تزال حاضرة، وأن بطء الإصلاح الإداري والاقتصادي يهدد بتحويل التهدئة إلى مجرد “إدارة للأزمة” بدل حلها جذريا. فالشعوب، خصوصا فئة الشباب، لم تعد تكتفي بالخطابات الهادئة، بل تبحث عن نتائج ملموسة في التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، وجدت الخطابات الشعبوية مساحة للنمو، حيث تستثمر في الإحباط الشعبي وتقدم نفسها باعتبارها صوتا “ضد النخب التقليدية”. وهذه الشعبوية قد تأتي من معارضين يرفعون سقف الخطاب، كما قد تظهر أحيانا داخل محيط السلطة نفسها عبر الوعود الكبيرة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
إن التحدي الأكبر أمام الرئيس غزواني لا يتمثل فقط في الحفاظ على الاستقرار، وإنما في تحويل هذا الاستقرار إلى قاعدة لإصلاح حقيقي يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية. فالاستقرار بدون تنمية وعدالة قد يصبح هشا، بينما الإصلاح بدون تهدئة قد يقود إلى الفوضى.
ومن هنا، تبدو موريتانيا اليوم أمام معادلة دقيقة: الحاجة إلى استمرار مناخ التهدئة لتجنب الانقسامات والصدامات، وفي الوقت نفسه ضرورة الانتقال إلى مرحلة أكثر جرأة في الحكامة، تقوم على محاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتكافؤ الفرص، وتقوية مؤسسات الدولة.
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن الشعوب قد تصبر على صعوبة الظروف، لكنها نادرا ما تصبر طويلا على غياب الأمل. ولذلك فإن نجاح أي مشروع سياسي لا يقاس فقط بقدرته على تهدئة الساحة، وإنما أيضا بقدرته على بناء الثقة وصناعة المستقبل.

اثنين, 25/05/2026 - 20:54