
شهدت تجربة الحجاج الموريتانيين خلال السنوات الأخيرة تحوّلا لافتا، عكس بوضوح حجم العناية التي أولتها الدولة لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، منذ تولي فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم.
فقد انتقلت إدارة موسم الحج من نمط تقليدي مثقل بالإكراهات التنظيمية واللوجستية، إلى مقاربة أكثر حداثة وفعالية، تضع الحاج في صدارة الاهتمام، وتتعامل مع رحلته بوصفها مسارا متكاملا يبدأ من أرض الوطن ولا ينتهي إلا بعودته سالما غانما.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة إرادة سياسية واضحة جعلت من تحسين ظروف الحجاج أولوية وطنية، تُترجمها تعليمات صارمة، ومتابعة ميدانية، وتنسيق محكم بين مختلف القطاعات المعنية. فابتداءً من مراحل التسجيل والتحضير، عرف الحجاج انسيابية غير مسبوقة، حيث جرى تبسيط الإجراءات، واعتماد أدوات تنظيمية أكثر دقة، خففت من معاناة الانتظار، وقلّصت من الأخطاء والارتباك الذي كان يطبع مواسم سابقة.
وقد أسهم هذا التطوير في إعادة الثقة بين الحاج والإدارة، وأشعره بأن الدولة ترافقه في رحلته الروحية، لا بوصفه رقما في لوائح، بل ضيفا يستحق الرعاية.
وعلى مستوى النقل والتفويج، بدت التحسينات أكثر وضوحا، حيث انعكس التخطيط المسبق في انتظام الرحلات، واحترام المواعيد، وتخفيف أعباء السفر، خاصة على كبار السن. فقد أصبح الوصول إلى الديار المقدسة أكثر سلاسة، وأقل إرهاقا، بفضل التنسيق العالي بين الجهات الوطنية ونظيراتها في المملكة العربية السعودية، وهو ما جنّب الحجاج ساعات طويلة من الانتظار، ومشاق كانت تؤثر سلبا على استعدادهم النفسي والبدني لأداء المناسك.
أما في الأراضي المقدسة، فقد تجسدت العناية بالحجاج الموريتانيين في جودة الإقامة، وقرب السكن من المشاعر، والمتابعة اليومية لأوضاعهم الصحية والمعيشية. ولم تعد البعثة المرافقة مجرد إطار إداري، بل تحولت إلى جهاز ميداني يقظ، يتدخل في الوقت المناسب، ويصغي لانشغالات الحجاج، ويعمل على تذليل الصعوبات قبل أن تتفاقم.
هذا الحضور الميداني عزز شعور الطمأنينة لدى الحجاج، ووفّر لهم مناخا يساعد على الخشوع والتركيز على جوهر العبادة، بعيدا عن هموم التنظيم والخدمات.
ولعل الأهم في هذه التجربة المتجددة، هو صدى الارتياح والرضى الذي بات الحجاج يعبرون عنه أنفسهم، في أحاديثهم وتقييمهم العام للمواسم الأخيرة. فقد استحضر كثيرون الفرق الواضح بين ما عاشوه في السابق، وما لمسوه اليوم من تحسن في المعاملة، وجودة في الخدمات، وسرعة في الاستجابة. وهو رضى لا يمكن فصله عن الرؤية التي أرستها القيادة العليا للبلد، والقائمة على أن خدمة المواطن، في حجه كما في سائر شؤونه، معيار أساسي لنجاعة السياسات العمومية.
وهكذا، لم تعد رحلة الحج بالنسبة للموريتانيين مجرد اختبار للصبر على مشاق السفر والتنظيم، بل أضحت تجربة إيمانية متكاملة، تحفّها العناية، ويواكبها التنظيم، ويؤطرها شعور متزايد بأن الدولة حاضرة إلى جانب مواطنيها في واحدة من أقدس محطات حياتهم. وهو مكسب معنوي ومؤسسي، يرسخ صورة جديدة لإدارة الشأن العام، ويؤكد أن الإرادة السياسية، حين تقترن بحسن التخطيط والتنفيذ، قادرة على إحداث فارق حقيقي في حياة الناس.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء


.gif)
.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)