عندما تنتصر الحكمة على الشعبوية

 

في أوقات الأزمات الكبرى، يصبح من السهل إطلاق الشعارات، لكن من الصعب اتخاذ القرارات الصحيحة. فحين شهد العالم ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المحروقات واضطرابا في سلاسل الامداد، وجدت الدول نفسها أمام خيارين: إما الاستسلام لمنطق الشعبوية السياسية، أو الانحياز لمنطق المسؤولية وحسن التدبير.
وقد اختارت الحكومة الموريتانية، بقيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الخيار الثاني.
وفي هذا الإطار طرح معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي أمام الرأي العام سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في مضمونه: "أيهما أكثر إنصافاً؟ أن تنفق الدولة خمسين مليار أوقية في ثلاثة أشهر فقط لدعم المحروقات بشكل شامل يستفيد منه الجميع، بمن فيهم أصحاب الدخول المرتفعة وكبار المستهلكين؟ أم أن تتحمل الدولة الجزء الأكبر من الزيادة العالمية، وتحافظ في الوقت نفسه على البرامج الاجتماعية والتنموية، وتوجه دعماً خاصاً للفئات الأقل دخلاً؟"
إن الإجابة المنطقية لا تحتاج إلى كثير عناء.
فالدعم الشامل للمحروقات قد يبدو جذاباً للوهلة الأولى، لكنه في الواقع أقل عدالة، لأن المستفيد الأكبر منه هو الأكثر استهلاكاً. فصاحب السيارة الواحدة لا يستفيد كما يستفيد صاحب السيارات المتعددة، والأسرة البسيطة لا تستفيد كما تستفيد الأسرة الميسورة ذات الاستهلاك المرتفع. وهكذا تتحول أموال الدولة، التي هي أموال جميع المواطنين، إلى دعم غير متوازن يذهب الجزء الأكبر منه إلى الفئات الأكثر قدرة على الإنفاق.
أما الخيار الذي انتهجته الحكومة فقد قام على رؤية أكثر عدلاً وأكثر حكمة. فقد تحملت الدولة الجزء الأكبر من الفاتورة، وحمت الاقتصاد الوطني من الصدمات، وحافظت على المشاريع التنموية والخدمات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه خصصت دعماً مباشراً للفئات الأكثر احتياجاً.
وهنا يكمن الفرق بين الدولة التي تدير الأزمات بعقلانية، والدولة التي تديرها بالشعارات.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني جعل من العدالة الاجتماعية وتوجيه الدعم إلى مستحقيه خياراً استراتيجياً ثابتاً، وهو ما تجسد في البرامج الاجتماعية المختلفة التي استهدفت الفئات الهشة والأسر محدودة الدخل في مختلف أنحاء الوطن.
إن الحكومات المسؤولة لا تُقاس بقدرتها على اتخاذ القرارات السهلة، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرارات الصحيحة، حتى عندما تكون صعبة. وما قامت به الحكومة في مواجهة أزمة المحروقات العالمية يمثل نموذجاً للإدارة الرشيدة للموارد العمومية، حيث تمت حماية القدرة الشرائية للمواطنين، والحفاظ على التوازنات المالية للدولة، وضمان استمرار المشاريع التنموية التي يحتاجها المواطن اليوم وغداً.
وجدير بالذكر أن سياسة الحكومة في مواجهة تداعيات الأزمة العالمية لم تبدأ مع النقاش حول أسعار المحروقات، بل سبقتها جملة من الإجراءات الوقائية والاجتماعية التي هدفت إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة.
فمع بداية الأزمة وما صاحبها من موجة تضخم عالمية، بادرت الحكومة إلى اتخاذ قرارات شجاعة لصالح المواطنين، من بينها تخصيص تحويلات نقدية لأسر السجل الاجتماعي، وتقديم دعم مالي لصغار الموظفين ووكلاء الدولة، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للأجور، وهي إجراءات كان لها أثر مباشر في التخفيف من الأعباء المعيشية على آلاف الأسر الموريتانية.
كما واصلت الحكومة نهجها الاجتماعي من خلال التقييم المستمر للسياسات العمومية والتدخل كلما اقتضت الظروف ذلك. وفي هذا الإطار، جاء القرار الأخير القاضي بخفض سعر الغاز المنزلي ليؤكد مجدداً أن همّ المواطن وظروفه المعيشية يظلان في صدارة أولويات السلطات العمومية، وأن الحكومة تتابع عن كثب تطورات السوق وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين.
إن هذه الإجراءات مجتمعة تؤكد أن الحكومة لم تعتمد مقاربة ظرفية أو ردود أفعال مؤقتة، بل انتهجت سياسة متكاملة تقوم على التخفيف من آثار الأزمات العالمية، وحماية الفئات الهشة، والحفاظ في الوقت ذاته على التوازنات الاقتصادية والمالية للدولة.
ومن هنا يتضح أن النقاش حول المحروقات لا ينبغي أن يُعزل عن بقية التدابير الاجتماعية التي اتخذتها الدولة، لأن تقييم أي سياسة عمومية يجب أن يتم من خلال النظر إلى الصورة الكاملة، لا إلى جزء منها فقط. وعندما ننظر إلى هذه الصورة بكل تفاصيلها، نجد أن الحكومة اختارت طريق المسؤولية والإنصاف، فدعمت الفئات المحتاجة، وحافظت على المشاريع التنموية، واتخذت إجراءات متتالية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

وبوصفي من الأغلبية الوطنية الداعمة لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية، فإنني أرى أن هذا النهج يؤكد مرة أخرى أن موريتانيا تُدار اليوم بعقلية التخطيط والمسؤولية، لا بمنطق الارتجال والمزايدات.
لقد كان القرار واضحاً: حماية المواطن، وصيانة المال العام، والحفاظ على مسار التنمية. وذلك هو جوهر الحكم الرشيد، وذلك هو الخيار الذي انتصرت له.

محمد الأمين سداتي
إطار بوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي.
نواكشوط بتاريخ: 5/6/2026

جمعة, 05/06/2026 - 17:30