عقدين من الزمن.. انتهت اللعبة!

مع أنصاف العقد الأول من القرن الحالي توشحت جماهير المستديرة بشعار البطل الأوحد لكل طائفة و ابتسمت ليالي الأبطال المقمرة في وجه العالم و سطعت شمس الـ لا ليغا بصورةٍ جديدةٍ خلفتيها "ميسي ورونالدو" و عنوانها "أنت المعزاة!" ليبدأ عصرٌ جديدٌ امتد فيه مفهوم كرة القدم إلى ما هو أبعد من إثنين و عشرين لاعباً يطاردون جلداً مدوَّرا.
انفتح كلاسيكو الأرض على بُعد جديد و مفهومٍ طارئ، تغيرت الموازين و التقييمات داخل المستطيل وخارجه، صارَ الفريق شيئاً والمدرب شيئاً و القائد شيئاً و رونالدو و ميسي أشياء أخرى.

عقد من الزمن والعالم بأسره حبيس المتعة الأسبوعية، عقد من الزمن و الشباك تهتز والشاشات تنفجر و بريق الذهب يتعاقب بين الإثنين في أحد أقوى صراعات العروش التي شهدها التاريخ. 

كان صراعاً بين عقلية رونالدو الاجتهادية الطموحة و موهبة ميسي الفريدة، مُستوياتٌ تتصاعد، فرق ترتقي وأخرى تتهاوى، و صحفٌ تكتب و جماهير تغني على ألوان كل نادٍ باسم ماجدها الأكبر.

كان العاشق الفعلي لكرة القدم يحضر متعته لنفسه بنفسه حين كان التفكير السليم أن نرى وجهاً شاملاً للإثنين معاً، وهو "كرة القدم"، و إن لم نبصر ذلك حيادية فلا أقل من أن نبصره بنظرةِ اعتبار وتقدير للطرف الآخر، كما قال كريستيانو معلقاً على التصادمات التي تحصل بين محبي الإثنين: 
"من يحب كريستيانو لا يحتاج إلى كرة ميسي، كما من يحب ميسي لا يحتاج إلى كرة كريستيانو.!" 

بلغنا مونديال قطر و بدأ الزمن يكشف عن حقيقة أنَّ القُدرة قد تهِن واللياقة قد تضعف والجسد قد يخور، لكن الموهبة الفطرية تبقى. لم يكن ميسي يحتاج إلى جسده في مراوغاته و تحركاته وحتى في تسديداته بقدر ما هو بحاجة إلى موهبته. على عكس كريستيانو الذي ما إن بلغَ من الكبر عتيا حتى فجعه الزمان في جسده، فصار كالكهلِ الذي يبصر سيفه في غمده لا يقوى على استلاله. 

الجميع لا زال يذكر ليلة الثامن والعشرين من نوفمبر عام 2022، تلك الليلة التي كانت نقطة تحول من منظوري الشخصي للحكم في قضية ملأت الدنيا و شغلت الناس، لقد أصدر كريستيانو حكم إقصاء على نفسه من هذه المنافسة منذ تلك الليلة. 
في الدقيقة الـ 54، هدف لـ البرتغال من عرضية أتت عن طريق برونو فيرنانديز، عرضية غالطت حارس منتخب الأورغواي "سيرخيو روشيت" حيث سكنت الشباك بعد ارتقاء كريستيانو رونالدو الذي أثّرَ على قرار الحارس، لكنه لم يلمس الكرة فاحتُسِب الهدف لبرونو، بعد الهدف صاحَ رونالدو في وجه الحكم محتجاً على أنّ الكرة لاسمت رأسه و كأنه يريد أن يقنع الحكم بأنّ الهدف له و ليس لبرونو، غافلاً عن حقيقة أن الغاية الأهم للفريق أن يُسجَّل الهدف بغض النظر من مُسجِّله أياًّ كان، لكن جشع رونالدو وقتها و تفكيره الفرداني قد أعمى بصيرته و أوقعه في فادحةٍ لا تُغتفر لمن في مقامه، حتى أنه و بعد انتهاء المباراة واصل احتجاجاته على الحكام خارج المستطيل.

إنَّ كارثية الخطأ من منظور العقلاء لا تقاس بالخطأ فقط، بل بمن صدر منه الخطأ أيضا.
كريستيانو الذي يعتبرُ من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم يسعى خلف الحيلة ليقتات من قوتِ غيره و هو الذي يملك وقتها ما يزيد على ثمانمائة هدف في رصيده. 
لقد كانت صفعة أيقظت الجميع من سباة الغفلة و أوضحت للعالم ما معنى أن تكون أسطورة في كرة القدم.

كان يمكن أن نصدر حكمنا قبل ذلك، لكنه الاحترام لكلاَ الفريقين بوصفنا طرفا محايدا، لكنَّ الأحداث أبت إلا أن تُجبرنا على قول الحقيقة.

و كما قلتُ سابقاً، إنّ الشيء الوحيد الذي يمكن لكريستيانو اليوم أن يُضيفه لكرة القدم هو أن يزيد عدد أهدافه، و هي نتيجة حتمية ما دامَ يضمن مكانه الأساسي في تشكيل النصر والبرتغال بلا شرط ولا قيد.

لقد سقط الفيل البرتغالي.. و البرغوث الأرجنتيني لا زالَ يقفز في سماء الإبداع، فيكسر الأرقام و يبهر العيون و يهدي للعالم قوالب المتعة بلا مقابل.

• عز الدين الرباني

اثنين, 22/06/2026 - 22:25