نواذيبو… إنجازات تتحدث، وطموح يتجدد / النائب البرلماني والخبير الاقتصادي الدولي محمد عبد الله ولد الغيلاني

 

لقد تابعنا في الأيام الأخيرة بعض الخطابات التي تحاول تصوير مدينة نواذيبو وكأنها مدينة مهملة أو “مدينة أشباح”، وهي ادعاءات لا تنسجم مع الواقع الذي يعيشه سكان المدينة، ولا مع حجم الاستثمارات العمومية التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة.
إن الاختلاف السياسي حق مشروع، والنقد البناء ضرورة في كل نظام ديمقراطي، لكن من الواجب أيضاً أن يقوم النقاش العمومي على الحقائق والوقائع، لا على التهويل أو إنكار ما تحقق. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالرؤى والمشاريع والإنجازات.
لقد كانت ولاية داخلت نواذيبو، منذ تولي فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم، في صميم أولوياته التنموية، ليس لأنها العاصمة الاقتصادية للبلاد فحسب، وإنما لأنه يؤمن بأن نهضة موريتانيا الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال نهضة نواذيبو. ولذلك كان، ولا يزال، يتابع شخصياً مختلف البرامج والمشاريع المتعلقة بالولاية، ويحرص على إزالة كل العقبات التي قد تعترض تنفيذها، ويوليها عناية خاصة في كل مراحل التخطيط والتمويل والإنجاز.
ولم يكن هذا الاهتمام مجرد شعارات، بل تُرجم إلى مشاريع ملموسة غيرت وجه المدينة والولاية.
ففي مجال التعليم العالي والتكوين، انتقلت نواذيبو من مدينة لم تكن تضم سوى مدرسة فنية واحدة، إلى قطب علمي ومعرفي يضم أكاديمية جهوية، ومدارس عليا، ومؤسسات للتكوين المهني، وجامعة، مع مواصلة الاستثمار في تكوين الشباب وربط التكوين بحاجيات سوق العمل.
وفي مجال الطاقة، كانت المدينة تعيش لسنوات طويلة تحت وطأة ضعف الإمدادات الكهربائية، أما اليوم فقد أصبحت تساهم في تغذية الشبكة الوطنية بفائض يتجاوز أربعين ميغاواط، بفضل المشاريع الكبرى المنجزة، وعلى رأسها محطة بولنوار الهوائية، وهو تحول استراتيجي لم يكن أحد يتصوره قبل سنوات قليلة.
أما في مجال المياه الصالحة للشرب، فإن الجميع يتذكر الأزمة الحادة التي عرفتها المدينة سنة 2021، حين كانت لا تتوفر إلا على حوالي 16 ألف متر مكعب يومياً من مياه بولنوار. واليوم ارتفعت الكميات بإضافة 15 ألف متر مكعب من نفس المصدر، إضافة إلى خمسة آلاف متر مكعب من محطة التحلية، مع تأمين تمويل ودراسة محطة تحلية كبرى بطاقة خمسين ألف متر مكعب يومياً ستبدأ الأشغال في إنجازها قريباً، فضلاً عن مشروع لتوفير المياه المخصصة للمشاريع الزراعية.
وفي مجال البنى التحتية، شهدت الولاية طفرة نوعية شملت توسعة منشآت القيادة البحرية، وإنجاز ميناء خفر السواحل، وتوسعة ميناء خليج الراحة، وإطلاق توسعة ميناء نواذيبو المستقل بما يمكنه من استقبال سفن أكبر، وتطوير المنصات اللوجستية، وتوسعة وسائل شحن الحديد  للشركة الوطنية للصناعة والمناجم، وإنشاء مشاريع صناعية لتثمين وتحويل المنتجات البحرية.
كما شهدت الولاية إطلاق أو إنجاز مشاريع استراتيجية أخرى، من بينها منشآت صناعية للصيد، ومقر ومختبرات المكتب الوطني للتفتيش الصحي لمنتجات الصيد، والكابل البحري الدولي الثاني، ومدارس متخصصة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ومرافق جديدة لخفر السواحل، ومنشآت اجتماعية وإدارية، إضافة إلى دراسة وتمويل احد مقاطع طريق نواذيبو–نواكشوط بطول 130 كيلومتراً.
ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، فقد وضعت الحكومة في بداية هذا الشهر اللمسات الأخيرة على برنامج جهوي طموح لتنمية ولاية داخلت نواذيبو، ضمن البرامج الجهوية للتنمية، بما يؤكد أن الدولة لا تنظر إلى ما تحقق باعتباره نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة أكثر طموحاً.
كما يجري العمل على إعداد مشاريع مستقبلية كبرى، من بينها تأهيل منطقة كابانو لتصبح قطباً للسياحة البيئية والاستشفائية، ودراسة إنشاء مطار دولي جديد خارج المدينة، وإنشاء قطب تنافسي للصناعات السمكية والتحويلية قادر على جذب استثمارات كبيرة وخلق آلاف فرص العمل، إلى جانب مواصلة تطوير المنطقة الحرة وتعزيز جاذبيتها للاستثمارات الوطنية والدولية.
إن كل هذه المشاريع تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن فخامة رئيس الجمهورية يمتلك رؤية استراتيجية واضحة لنواذيبو، ويعتبرها المنطلق الحقيقي لبناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع، وقادراً على تحقيق التنمية المستدامة في مختلف أنحاء الوطن.
ونحن لا نزعم أن المدينة بلغت الكمال، فما تزال هناك تحديات حقيقية في مجالات النظافة، والتشغيل، وتحسين الخدمات الحضرية، وتنظيم قطاع الصيد، وهي تحديات تعترف بها الدولة وتعمل على معالجتها ضمن خطط وبرامج واضحة. لكن الإنصاف يقتضي أن تُناقش هذه التحديات في إطار الاعتراف بما تحقق، لا من خلال إنكار الإنجازات أو تصوير المدينة وكأنها لم تعرف أي تقدم.
ومن هنا، فإننا نوجه دعوة صادقة لكل من ينتقد أو يعارض: إذا كانت لديكم رؤى أفضل أو مشاريع أكثر طموحاً أو استراتيجيات قابلة للتنفيذ تخدم نواذيبو وسكانها، فتفضلوا بها. قدموا برامجكم، وحلولكم، ومبادراتكم، وسنكون جميعاً أول من يرحب بأي فكرة جادة تخدم المدينة والوطن. أما الاكتفاء بإنكار الواقع، أو التقليل من شأن ما تحقق، أو نشر خطاب الإحباط، فلن يبني مدرسة، ولن يوفر قطرة ماء، ولن يخلق فرصة عمل، ولن يجذب مستثمراً واحداً.
إن نواذيبو أكبر من أن تكون موضوعاً للمزايدات السياسية، فهي رهان اقتصادي وطني، ومسؤولية جماعية، ومستقبل أجيال كاملة. وكل من يحب هذه المدينة حقاً، عليه أن يجعل مصلحة الولاية فوق كل اعتبار، وأن يساهم في تقديم الحلول، لا في صناعة اليأس.
إن نواذيبو اليوم ليست مدينة مهمشة، بل ورشة تنموية مفتوحة، تشهد أكبر عملية تحول عرفتها منذ عقود. وما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية لمسار تنموي طويل، لأن طموح فخامة رئيس الجمهورية لنواذيبو أكبر من مجرد إنجاز مشاريع متفرقة؛ إنه طموح يرمي إلى جعلها قطباً اقتصادياً وعلمياً ولوجستياً وسياحياً، ومحركاً رئيسياً للتنمية المستدامة في موريتانيا كلها.

أحد, 28/06/2026 - 20:07