
الوئام الوطني :يمثل اللقاء الأخير بين وزارة التنمية الحيوانية ووفد من البنك الإسلامي للتنمية مدخلا دالا لفهم التحول العميق الذي تتبناه الدولة في مقاربتها لقطاع ظل لعقود حبيس الرعي التقليدي، وذلك بعد أن أدت مقاربة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى قياس ثقل السياسات العمومية بقدرتها على تحويل القطاعات التقليدية إلى روافع إنتاج حديثة ومندمجة.
ولطالما شكّلت الثروة الحيوانية عنصر أمان اجتماعي ومصدر عيش لشرائح واسعة من السكان، غير أن الدولة باتت اليوم تنظر إليها باعتبارها قطاعا إنتاجيا استراتيجيا، قادرا على الإسهام الفعلي في الناتج المحلي، وتنويع القاعدة الاقتصادية، وتقليص التبعية الغذائية. إذ يعكس التحول في الرؤية نضجا في التخطيط، وإدراكا بأن دمج القطاع في الدورة الاقتصادية لم يعد ترفا، بل ضرورة تنموية.
اللافت في المقاربة الحكومية الجديدة تعتمد رؤية شمولية تتدرج من تحديث أنماط التربية إلى تطوير الشعب الحيوانية، مرورا بتحسين الإنتاج والجودة، وصولا إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة. فالعصرنة هنا باتت مسارا عمليا يستند إلى التكوين، ونقل الخبرات، واعتماد التقنيات الحديثة، بما يضمن الاستدامة ويرفع المردودية.
ويكتسب تشجيع الاستثمار، ولا سيما من طرف الشباب، دلالة خاصة في هذه الرؤية. فالقطاع الحيواني لم يعد حكرا على أنماط تقليدية مغلقة، بل أصبح مجالا مفتوحا للمبادرة الخاصة، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والصناعات التحويلية المرتبطة به. ومن شأن هذا التوجه أن يحوّل الثروة الحيوانية إلى رافعة لتشغيل الشباب، ويحد من الهجرة الريفية، ويخلق ديناميكية اقتصادية في المناطق الداخلية.
ويحمل الحديث عن مشروع تمويلي بقيمة 100 مليون دولار، يجري الإعداد له بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، بعدا جديدا يعكس ثقة الشركاء الدوليين في الخيارات التنموية للدولة، ويؤشر إلى انتقال التمويل من منطق الدعم الاجتماعي إلى منطق الاستثمار الهيكلي في البنى التحتية، والخدمات البيطرية، والتحويل والتسويق.
ويتمثل جوهر هذا التوجه في جعل الثروة الحيوانية جزءا فاعلا من الدورة الاقتصادية الوطنية، عبر رفع القيمة المضافة محليا، وتحسين التنافسية، وفتح آفاق التصدير. وهو ما ينعكس إيجابا على الميزان التجاري، ويعزز الأمن الغذائي، ويرسخ العدالة المجالية من خلال تحسين دخل المنمين وظروفهم المعيشية.
إن ما تشهده التنمية الحيوانية اليوم هو تحول في الفلسفة التنموية للدولة، من إدارة مورد تقليدي إلى بناء قطاع اقتصادي حديث ومندمج. ومع وضوح الرؤية، وتكامل السياسات، وتوفر الشراكات والتمويل، تبدو موريتانيا مؤهلة لتحويل ثروتها الحيوانية إلى أحد أعمدة النمو المستدام، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)