حدث وتعليق/ تأهيل المفتشين.. استثمار في الشفافية وحسن تسيير المال العام

تأتي الدورة التكوينية التي أطلقتها وزارة التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف، لفائدة مفتشي القطاع في مجال التدقيق الإداري والمالي، لتؤكد أن مسار إصلاح الإدارة العمومية في موريتانيا لم يعد يقتصر على تحديث البنى أو إطلاق المشاريع، بل أصبح يركز كذلك على بناء الكفاءات القادرة على ضمان حسن التسيير، وتعزيز الرقابة، وترسيخ ثقافة الحكامة الرشيدة.

ويشكل إطلاق هذه الدورة التكوينية خطوة نوعية في مسار تحديث الإدارة العمومية، وتجسيدا عمليا للإصلاحات التي تنتهجها الدولة في مجال تعزيز الشفافية والرفع من كفاءة الأداء المؤسسي.

ففي الوقت الذي تتوسع فيه الاستثمارات العمومية في قطاع التكوين المهني، وتتزايد الرهانات المرتبطة بتأهيل الشباب وربط التكوين باحتياجات سوق العمل، تصبح الحاجة أكثر إلحاحا إلى أجهزة رقابية حديثة تمتلك الأدوات العلمية والعملية التي تمكنها من مواكبة هذه الديناميكية، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد المالية والبشرية.

ويكتسب هذا التكوين أهمية خاصة لكونه لا يقتصر على الجانب النظري، بل يعتمد مقاربة تطبيقية تقوم على إجراء عمليات تدقيق ميدانية داخل مؤسسات القطاع، وهو ما يعكس توجها جديدا يجعل من التكوين وسيلة مباشرة لتحسين الأداء، وليس مجرد نشاط أكاديمي معزول عن الواقع الإداري.

إن التدقيق الإداري والمالي في المفهوم الحديث لم يعد مرادفا لاكتشاف الاختلالات فحسب، بل أصبح أداة استباقية لتطوير الأداء، وتحسين اتخاذ القرار، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز الثقة في المؤسسات العمومية. ولذلك فإن الاستثمار في تكوين المفتشين يمثل استثمارا في جودة الإدارة نفسها، وفي قدرتها على تحقيق النتائج وفق معايير الكفاءة والشفافية.

ويأتي تركيز الدورة على مجالات حيوية مثل التدقيق، والتفتيش، وتسيير الموارد البشرية، والصفقات العمومية، منسجما مع أولويات الإصلاح الإداري التي تتطلب وجود كوادر تمتلك معرفة دقيقة بالقوانين والإجراءات، وقادرة على تقييم الأداء واكتشاف مواطن الخلل واقتراح الحلول العملية لتجاوزها.

وتعكس تصريحات معالي وزير التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف، السيد ماء العينين ولد أييه، رؤية واضحة تعتبر الرقابة الداخلية شريكا أساسيا في التنمية الإدارية، وليست مجرد آلية للمساءلة. فكلما كانت الرقابة أكثر مهنية وموضوعية، ارتفعت جودة التسيير، وتحسن توظيف الموارد العمومية، وانخفضت مستويات الهدر، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

كما أن تنظيم هذه الدورة من طرف المعهد الوطني العالي للتعليم التقني يحمل دلالات مهمة، إذ يؤكد أن المؤسسة، بعد ترقيتها إلى معهد وطني، بدأت تضطلع بأدوار أوسع تتجاوز التكوين التقليدي، لتصبح مركزا وطنيا لإعداد الخبرات، وإنتاج المعرفة التطبيقية، ومواكبة الإصلاحات التي تشهدها مختلف القطاعات الحكومية.

ولا يمكن فصل هذه المبادرات عن النهج الإصلاحي الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائم على تحديث الإدارة، وترسيخ مبادئ الحكامة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مرتكزات أساسية لبناء إدارة عصرية أكثر كفاءة واستجابة لتطلعات المواطنين.

وفي قطاع التكوين المهني على وجه الخصوص، تمثل هذه المقاربة ركيزة أساسية لإنجاح المشاريع الإصلاحية، لأن جودة المؤسسات لا تقاس فقط بحجم تجهيزاتها أو عدد برامجها، وإنما أيضا بقدرتها على حسن التسيير، وفعالية أنظمة الرقابة، وكفاءة العنصر البشري المشرف عليها.

وتؤكد هذه الدورة أن بناء إدارة قوية يبدأ من بناء الإنسان المؤهل، وأن ترسيخ ثقافة التدقيق والرقابة المهنية يمثل أحد أهم الضمانات لتحقيق التنمية المستدامة، وحماية المال العام، وتحسين أداء المؤسسات، بما يعزز ثقة المواطنين في الإدارة، ويكرس نموذجا حديثا للحكامة يواكب طموحات قيادة موريتانيا في المرحلة المقبلة.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

اثنين, 03/08/2026 - 19:43