
لم تكن استحقاقات 23 سبتمبر 2026 مجرد إجراء دستوري عابر لتجديد التشكيلة البرلمانية في المملكة المغربية، بل جاءت لتشكل محطة فارقة في قراءة التحولات السياسية والسوسيولوجية للشارع المغربي. وبينما خيم العزوف الانتخابي النسبى على أغلب الجهات ليفرز نسبة مشاركة وطنية متدنية مقارنة بآخر استحقاق، حيث بلغت 38.08%، رسمت الأقاليم الجنوبية للمملكة لوحة استثنائية وبصمت على استجابة شعبية مكثفة. هذا التباين الحاد بين التراجع الوطني والإقبال الصحراوي الكثيف يمثل وثيقة سياسية مكتوبة بمداد المواطنة الواعية تؤكد عمق الارتباط بالمؤسسات ودينامية التنمية المجالية.
وتكتسي المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية دلالات استراتيجية تتجاوز نطاق التنافس الحزبي الضيق حول المقاعد. إن تحقيق جهة العيون الساقية الحمراء لنسبة 77%، وجهة الداخلة وادي الذهب 61%، وتسجيل جهة كلميم واد نون لـ 53.48% — بل ووصول النسبة إلى أرقام قياسية في أقاليم مثل طرفاية (88.88%) وأوسرد (80.17%) — يعكس حقيقة لا تقبل التأويل:، وهي أن الصندوق في الأقاليم الصحراوية ليس مجرد أداة لإنتاج نخب محلية، بل هو أداة ديمقراطية للتعبير عن الانتماء الراسخ والموقف الوطني الثابت.
ففي ظل النزاع حول الوحدة الترابية، يغدو التصويت ممارسة سياسية ذات بعد سيادي. إن تدفق المواطنين على مكاتب الاقتراع يستحيل إلى رسالة داحضة لكل المقولات الخارجيّة، وتجسيدا عمليا للتشبث بالمواطنة المؤسساتية، حيث يختار الساكنة معركة التغيير والبناء من داخل الهياكل التمثيلية للدولة المغربية، متجاوزين أطروحات التشكيك والتشويش.
وتتجلى القيمة السياسية لهذه النسب المرتفعة عندما تُوضع في مقترن مباشر مع المشهد الوطني العام. ففي الوقت الذي عرفت فيه المشاركة الوطنية تراجعا ملحوظا مقارنة بانتخابات 2016 (42.27%) و2021 (50.86%)، لترسو عند 38.08%، أظهر المواطن في الأقاليم الجنوبية منسوبا عاليا من الثقة في العملية السياسية.
هذه المفارقة تؤكد أن الفاعل المحلي في الأقاليم الصحراوية يتعاطى مع المؤسسات باعتبارها فضاء حيويا وفعالا لتأطير الصنع العام وليس مجرد هياكل بيروقراطية صماء. ويثبت هذا التباين أن الديناميكية التنموية التي زُخرت بها الأقاليم الجنوبية في إطار النموذج التنموي الجديد ورسائل الجهوية المتقدمة أثمرت وعيا سياسيا متقدما، مفاده أن الاستثمار الملموس في البنية التحتية والمشاريع المهيكلة انعكس على شكل منسوب ثقة مرتفع في جدوى المشاركة الديمقراطية.
وإذا كانت النسب المرتفعة قد حسمت الرسالة السياسية في الشق المتعلق بالشرعية والانتماء، فإنها في الوقت ذاته ترفع سقف التحديات أمام الدولة والمؤسسات المنتخبة. إن مشاركة بنسبة تتجاوز 77% لا تعني منح "شيك على بياض" للفاعل السياسي المحلي أو المركزي، بل هي تفويض مشروط برهانات الإنجاز الذي تحقق منه الكثير وبقي الكثير المترجم في تعزيز العدالة المجالية التي تضمن توزيعا عادلا للثروات وفرص التنمية، وإيجاد فرص الشغل من خلال استيعاب تطلعات الشباب الصحراوي ودمجه في سوق الشغل، فضلا عن جودة الخدمات العمومية، المتمثلة في تطوير قطاعات الصحة، التعليم، والبنيات التحتية الأساسية.
وتفرض هذه المعطيات انتقالا ضروريا من "شرعية المشاركة" إلى "شرعية الإنجاز"؛ حيث يصبح الاختبار الحقيقي بعد إغلاق الصناديق هو قدرة المجالس المنتخبة والبرلمان على تحويل هذه الأصوات إلى سياسات عمومية ناجعة تجيب عن الأسئلة اليومية للمواطن.
لقد قدمت الأقاليم الجنوبية في محطة 23 سبتمبر 2026 درسا في الوطنية المؤسساتية، وأثبتت أن الرهان على المؤسسات الوطنية الديمقراطية هو الخيار الوحيد والأوحد لسكان هذه الجهات.
إن هذا الإقبال اللافت للانتباه يظل المؤشر الأكثر نضجا على استقرار المنطقة وانخراطها التام في بناء المستقبل الديمقراطي والتنموي للمملكة المغربية، محولا صندوق الاقتراع إلى أبلغ بيان سياسي ردا على كل التحديات.
وكالة الوئام الوطني للأنباء

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)