
اكتسبت كلمة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أمام المنتدى الإفريقي للمياه في العاصمة التشادية إنجامينا، أهمية خاصة، لأنها تجاوزت تشخيص الأزمة إلى طرح رؤية سياسية وتنموية متكاملة للتعامل معها، إدراكا منه لتسارع تداعيات التغير المناخي وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، والتي لم تعد معها المياه مجرد مورد حيوي لتلبية الاحتياجات اليومية، بل أصبحت قضية سيادية ترتبط ارتباطا وثيقا بالأمن الغذائي، والصحة العامة، والطاقة، والاستقرار الاجتماعي، وحتى السلم بين الدول.
لقد عكست الكلمة إدراكا عميقا لحجم التحولات التي تشهدها القارة الإفريقية، حيث باتت ندرة المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات، في ظل النمو السكاني المتسارع، وتراجع الموارد المائية بفعل التغيرات المناخية، وتزايد الطلب على المياه في قطاعات الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي.
ومن هنا جاء تأكيد الرئيس على أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة النقاشات والتوصيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشاريع، باعتبار أن مستقبل التنمية في إفريقيا بات مرتبطا بقدرة الدول على تأمين مواردها المائية وإدارتها بكفاءة.
وتحمل هذه الدعوة دلالة مهمة، مفادها أن التنمية المستدامة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالاستثمار في البنية التحتية، وتعبئة التمويلات، واعتماد سياسات عمومية تستند إلى التخطيط العلمي وإدارة الموارد وفق رؤية بعيدة المدى. فالمياه اليوم لم تعد قطاعا منفصلا عن بقية القطاعات، بل أصبحت قاسما مشتركا في كل برامج التنمية، وهو ما يجعل الاستثمار فيها استثمارا في مستقبل الإنسان الإفريقي.
كما عكست الكلمة حرص موريتانيا على مواكبة هذا التحول من خلال تبني مقاربة وطنية تقوم على تعزيز الأمن المائي باعتباره ركيزة من ركائز التنمية. فالمشاريع المتعلقة بتوسيع شبكات المياه، وتحسين خدمات التزويد، واستغلال الموارد المائية بصورة أكثر استدامة، تعبر عن توجه يضع هذا القطاع ضمن أولويات السياسات العمومية، انسجاما مع رؤية تنموية تستهدف تحسين ظروف المواطنين وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات المستقبلية.
ومن زاوية أخرى، أبرز الخطاب أهمية العمل الإفريقي المشترك، انطلاقا من أن التحديات المائية التي تتجاوز الحدود الوطنية، وأن العديد من الأحواض والموارد المائية تتقاسمها عدة دول، بما يجعل التعاون الإقليمي خيارا لا غنى عنه.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة الرئيس إلى تعزيز الشراكات وتبادل الخبرات وتعبئة التمويلات الدولية تعبيرا عن قناعة بأن معالجة أزمة المياه تتطلب تضامنا إفريقيا حقيقيا، يقوم على تقاسم المسؤوليات والمصالح.
وهذه الرؤية تلامس البعد الأمني، برأي المراقبين، حيث أن التجارب الدولية أثبتت أن ندرة المياه قد تكون سببا في تفاقم الهشاشة الاقتصادية، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع معدلات الهجرة والنزوح، بل وقد تؤدي إلى نزاعات على الموارد. لذلك فإن الاستثمار في الأمن المائي هو في جوهره استثمار في الأمن والاستقرار، وهو ما يمنح الخطاب بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود المنتدى ليعكس رؤية متكاملة لمستقبل القارة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تؤكد مشاركة موريتانيا الفاعلة في هذا المنتدى استمرار حضورها في النقاشات الإفريقية الكبرى، ليس باعتبارها طرفا متلقيا للحلول، وإنما شريكا في صياغة الرؤى والمبادرات التي تستجيب لأولويات القارة. ويعزز ذلك المكانة التي اكتسبتها الدبلوماسية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، من خلال انخراطها في مختلف الملفات التنموية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
إن الرسالة الأساسية التي حملتها كلمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تتمثل في أن مستقبل إفريقيا لن يُبنى إلا بتحويل التحديات إلى فرص، وأن الأمن المائي يجب أن يحتل موقعا متقدما في السياسات الوطنية والإقليمية، لأنه يشكل المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي.
وفي ظل ما تشهده القارة من تحولات متسارعة، تبدو هذه الرؤية منسجمة مع متطلبات المرحلة، حيث لم يعد النجاح يقاس بقدرة الدول على إدارة الأزمات فحسب، بل بقدرتها على استشراف المستقبل، والاستثمار في القطاعات التي تضمن استدامة التنمية وتحفظ حقوق الأجيال القادمة.
ومن هنا، جاءت كلمة الرئيس الغزواني في إنجامينا لتؤكد أن المياه ليست مجرد مورد طبيعي، وإنما أساس التنمية، وعنوان السيادة، وجسر التعاون الذي يمكن أن يقود إفريقيا نحو مستقبل أكثر أمنا وازدهارا.
وكالة الوئام الوطني للأنباء


(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)