حدث وتعليق/ الكهرباء تعود إلى نواكشوط.. ثمرة متابعة رئاسية واستنفار حكومي متواصل

لم تكن عودة الكهرباء إلى العاصمة نواكشوط، بعد أيام استثنائية من الاضطرابات والانقطاعات التي فرضتها الأضرار التي لحقت بمحطات التحويل، مجرد نتيجة لعمل فني عابر، وإنما كانت ثمرة استنفار وطني واسع، ومتابعة دقيقة، وتوجيهات واضحة من أعلى هرم السلطة، وجهود متواصلة بذلتها الحكومة وفرق الشركة الموريتانية للكهرباء “صوملك” حتى استعادة الخدمة إلى وضعها الطبيعي والمستقر.

فقد شكّل ضمان عودة الكهرباء إلى المواطنين أولوية واضحة لدى رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي عاين ميدانيا، يوم الأحد الماضي، الأضرار التي لحقت بمحطة التحويل الشرقية، واطلع على سير الأشغال، ووجّه الحكومة إلى توفير كل الإمكانات البشرية والمادية والفنية وتسريع وتيرة التدخل من أجل إعادة التيار إلى المواطنين في أقرب وقت ممكن.

وهنا تبرز أهمية المتابعة الرئاسية التي لم تتعامل مع الحادث باعتباره عطلا فنيا تتحمله مؤسسة الكهرباء وحدها، بل باعتباره أزمة تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتؤثر في المؤسسات والمرافق الصحية والخدمية والاقتصادية والمتاجر ومختلف مناحي النشاط في العاصمة.

ما يلفت الانتباه في طريقة التعامل مع الحادث هو أن الاستجابة لم تتوقف عند التدخل الأول، بل تطورت بصورة متدرجة وفق ما تقتضيه الحالة الفنية للمحطات.

فمنذ الساعات الأولى، باشرت “صوملك” إجراءات استثنائية لتأمين استمرار التزويد بالكهرباء، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، والاستفادة من مصادر وخطوط تغذية بديلة، قبل الانتقال إلى إصلاح المحطات المتضررة وإعادة تشغيلها تدريجياً.

وكانت توجيهات رئيس الجمهورية واضحة في أن الهدف ليس مجرد إعادة جزء من الكهرباء، وإنما استعادة الخدمة بصورة كاملة ومستقرة، وهو ما يفسر استمرار العمل الفني حتى الساعات الأخيرة، وعدم إعلان انتهاء الأزمة قبل التأكد من استعادة المحطتين قدرتهما التشغيلية.

وقد أكد المدير العام لـ”صوملك” أن الفرق الفنية عملت ليلا ونهارا دون توقف، وأن الاستجابة تطلبت استخدام معدات احتياطية متوفرة محليا، واستجلاب معدات أخرى من الخارج، والاستعانة بخبرات فنية متخصصة.

وتكشف النتائج التي أعلنت عنها “صوملك” اليوم الخميس عن حجم الجهد الذي بُذل خلال الأيام الماضية؛ فقد أصبحت محطتا التحويل الشرقية والشمالية تعملان بانتظام وبكامل طاقتهما الاستيعابية، بما يسمح بعودة الكهرباء إلى مختلف الأحياء والمناطق التي كانت متضررة في نواكشوط الشمالية والمناطق المجاورة.

وهذه النتيجة لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن المسار الذي سبقها، فبعد استعادة جزء من القدرة التشغيلية للمحطة الشرقية، وعودة المحطة الغربية إلى كامل طاقتها، واصلت الفرق الفنية العمل على استكمال الجزء المتبقي من المحطة الشرقية، إلى أن تم تشغيله بنجاح.

إنها، في جوهرها، صورة واضحة عن إدارة أزمة وضعت استمرارية الخدمة العمومية في مقدمة الأولويات، وحرصت على ألا تتحول الأضرار الطارئة إلى أزمة طويلة الأمد.

الأهمية الحقيقية لهذه العملية لا تكمن فقط في إعادة تشغيل محطتين كهربائيتين، وإنما في إعادة الحياة إلى طبيعتها في العاصمة. فالكهرباء بالنسبة للأسرة تعني الإنارة والتبريد وحفظ المواد الغذائية وتشغيل الأجهزة المنزلية، وبالنسبة للمؤسسة تعني استمرار العمل، وبالنسبة للمتجر تعني مواصلة النشاط التجاري، وبالنسبة للمرفق الصحي تعني ضمان استمرار الخدمات والأجهزة، وبالنسبة للمياه والخدمات الأساسية تعني الحفاظ على انتظام قطاعات حيوية أخرى.

ومن هذا المنظور، فإن إصرار رئيس الجمهورية والحكومة على تسريع إعادة الخدمة يعكس إدراكا بأن الكهرباء ليست خدمة ثانوية، بل جزء أساسي من أمن المواطنين واستقرار حياتهم اليومية ودورة الاقتصاد والخدمات في العاصمة.

وقد كان لافتا أن الأولوية التي حددها رئيس الجمهورية خلال معاينته للمحطة الشرقية كانت إعادة الكهرباء إلى المواطنين، بالتوازي مع توجيهاته بإجراء تحقيق شامل وشفاف في أسباب الحريق وتعزيز إجراءات الصيانة الوقائية والجاهزية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

ومن الإنصاف، في هذه اللحظة، تثمين الدور الذي اضطلعت به الفرق الفنية والعاملون في “صوملك”، الذين واصلوا العمل في ظروف استثنائية وعلى مدار الساعة حتى استعادة الشبكة عافيتها.

لكن هذا الجهد الفني كان بحاجة إلى قرار سياسي واضح، وإسناد حكومي، وتوفير سريع للإمكانات والمعدات والخبرات؛ وهي العناصر التي جعلت من الممكن الانتقال من حالة طارئة أربكت أجزاء واسعة من العاصمة إلى وضع كهربائي مستقر خلال فترة وجيزة.

ولعل تصريح المدير العام لـ”صوملك” الذي أكد فيه أن توجيهات رئيس الجمهورية كانت واضحة وحاسمة، وأن الحكومة تابعت التدخلات ووفرت الإمكانات والوسائل اللازمة، يقدم دليلا مباشرا على طبيعة هذا التنسيق بين القرار السياسي والتنفيذ الفني.

إن عودة الكهرباء إلى عموم نواكشوط اليوم تمثل محطة مهمة، لكنها في الوقت نفسه تحمل درسا للمستقبل.

فالاستجابة السريعة للأعطال والأزمات مهمة، غير أن الأهم هو تحويل تجربة الأيام الماضية إلى فرصة لتعزيز الصيانة الوقائية، وتحديث شبكات التوزيع، ورفع مستوى الجاهزية، وتوفير المعدات الاحتياطية، وتنويع مصادر وخطوط التغذية، حتى تصبح الشبكة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات المفاجئة.

وقد شدد رئيس الجمهورية بالفعل على أن حادثة المحطات تمثل درسا في ضرورة تعزيز الصيانة الوقائية ورفع مستوى الجاهزية واتخاذ التدابير الاستباقية، كما أكد أن تحديث شبكات التوزيع سيحظى بوتيرة متسارعة خلال المرحلة المقبلة. وبذلك، فإن عودة الكهرباء ليست فقط نهاية لأزمة، وإنما أيضا بداية لمرحلة ينبغي أن يُستفاد من دروسها.

لقد أثبتت الأيام الماضية أن استمرارية الخدمات الأساسية تتطلب قيادة تتابع، وحكومة تستنفر، ومؤسسات تنفذ، وفرقا فنية تعمل بلا توقف. وحين تتكامل هذه الحلقات، يصبح بالإمكان تجاوز أصعب الظروف وإعادة الخدمة إلى المواطن في أقصر وقت ممكن.

واليوم، ومع إعلان “صوملك” عودة محطتي التحويل الشرقية والشمالية إلى العمل بكامل طاقتهما واستقرار الكهرباء في عموم نواكشوط، يمكن القول إن معركة استعادة التيار قد انتهت بنجاح، بفضل تضافر المتابعة الرئاسية والاستنفار الحكومي والجهد الفني الميداني، ليعود التيار إلى البيوت والمؤسسات والمتاجر والمرافق، وتعود معه الحياة اليومية للعاصمة إلى مسارها الطبيعي.

 

وكالة الوئام الوطني للأنباء

 

خميس, 27/08/2026 - 11:18