
كتب الأستاذ السالك ولد اباه : موريتانيا: بين إرث الوظيفة الاستعمارية وسؤال الهوية الوطنية
مقدمة : حين يصبح تفعيل النص الدستوري مناسبة لسؤال الهوية
أثارت أقلام فرانكفونية متحمسة للدفاع عن الارث الاستعماري ، في الآونة الأخيرة، نقاشا حادا بشأن قرار سيادي دعا إلى تفعيل مقتضى دستوري، وكأن تطبيق النصوص الدستورية القائمة يحتاج إلى تبرير يتجاوز مشروعية القرار نفسه. وليس من شأني مناقشة نيات أصحاب تلك الأقلام، أو مصادرة حقهم في التعبير؛ فهذا حق يكفله الدستور، كما يكفل لغيرهم حق مناقشة آرائهم والاختلاف معها.
ومن هامش حرية التعبير الذي يكفله الدستور نفسه، أتناول الموضوع بنبرة هادئة، لا رغبة في مجادلة أحد أو التقليل من شأنه أو الرد عليه بأسلوبه السوقي أو استثارة حساسيات قائمة، وإنما لأن النقاش الذي أثاره ذلك القرار يتيح فرصة للتأمل في مسألة أعمق: علاقة موريتانيا بهويتها الوطنية، وبإرثها الاستعماري، وبلغتها الرسمية، وقدرتها على ترجمة اختياراتها الدستورية إلى واقع مؤسسي.
فإذا كان من حق بعض الأقلام أن ترفع صوتها عاليا دفاعا عن تصوراتها، فمن حقي أن أمارس، بنعومة وهدوء، طرح الأسئلة التي أراها جديرة بالنقاش. وليس في ذلك خصومة مع أحد، بل إسهام في حوار وطني ينبغي أن يتسع للاختلاف، ما دام الوطن ومصالحه إطارا جامعا للجميع.
أولا: الهوية الوظيفية.. حين ترحل القوة ويبقى أثرها
ليست خصوصية موريتانيا في موقعها الجغرافي وحده، ولا في تعدد مكوناتها الاجتماعية والثقافية، وإنما في مفارقة تستحق التأمل: أن الاستقلال السياسي لم ينه بالضرورة جميع آثار الوظيفة التي أدتها البلاد في التصور الاستعماري الفرنسي.
فقد احتلت موريتانيا موقعا جغرافيا استراتيجيا ضمن المجال الاستعماري الفرنسي في شمال إفريقيا وغربها، وشكلت بحكم موقعها حلقة وصل بين المجالين الفرنسيين في الجزائر والسنغال. ومع رحيل الاستعمار واستعادة السيادة، لم تختف بالضرورة كل الآثار الإدارية والثقافية واللغوية التي خلفتها تلك المرحلة، بل استمر بعضها مؤثرا في بناء الدولة وتصورها لوظيفتها.
ولا يعني ذلك أن موريتانيا ظلت أسيرة دور استعماري ثابت، أو أن كل اختياراتها بعد الاستقلال امتداد مباشر لذلك الدور؛ وإنما المقصود أن الاستقلال السياسي لا يمحو تلقائيا الموروث المؤسسي، ولا يعفي الدولة من مراجعة الخيارات التي ورثتها عن مرحلة لم تكن فيها صاحبة القرار.
وهنا يبرز السؤال: هل انتقلت موريتانيا من الموقع الذي رسمه الآخرون لها إلى الموقع الذي تختاره لنفسها بإرادتها؟ وهل استطاعت أن تجعل من تاريخها ومجتمعها مرجعية لبناء دولة تعبر عن شخصيتها، بدلا من الاكتفاء بإدارة التوازنات التي فرضتها عليها ظروف نشأتها؟
إن الاستقلال لا يكتمل بمجرد استعادة السيادة على الأرض، بل يحتاج أيضا إلى استقلال الرؤية، وامتلاك القرار في تحديد الشخصية الوطنية، واختيار لغة الإدارة، وصياغة مشروع الدولة انطلاقا من تاريخ المجتمع وخصوصيته ومصالحه.
ثانيا: هوية معلومة المقومات، مترددة الخيارات
تملك موريتانيا مقومات هوية واضحة: فهي عربية اللسان، إسلامية المرجعية، عربية الموقع والانتماء، ذات تاريخ علمي وثقافي تشكلت فيه روافد متعددة. وليس في اجتماع هذه المقومات تناقض يفرض على الدولة الاختيار بين بعضها والتخلي عن بعضها الآخر.
ومع ذلك، يبدو أن الدولة لم تبلغ بعد الدرجة المطلوبة من الوضوح في ترجمة هذه الحقيقة المركبة إلى خيارات مؤسسية متماسكة. فالإشكال ليس في غياب مقومات الهوية، بل في التردد السياسي في إعلان مقتضياتها العملية، خشية أن تثير حساسيات لدى هذا الطرف أو ذاك.
وقد أدى الحرص على تجنب التوترات الاجتماعية، في بعض المراحل والخيارات، إلى تأجيل أسئلة كان ينبغي أن تكون موضوع حوار وطني صريح، لا ملفات معلقة تنتظر الظروف الملائمة. وهكذا أصبح التوافق، في بعض الأحيان، أقرب إلى تجنب الحسم منه إلى الاتفاق على قواعد واضحة وعادلة.
ولا يتعلق الأمر بإنكار التعدد مهما تدنت نسبته ، أو الانتقاص من المكونات الأصيلة في المجتمع الموريتاني، وإنما بالسؤال عن الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المجاملة السياسية حتى لا تتحول إلى تردد في تعريف الذات الوطنية.
فالهوية الواثقة لا تخشى التعدد، واحترام المكونات الوطنية لا يستلزم أن تظل الدولة مترددة في إعلان شخصيتها. بل إن وضوح الإطار الوطني هو الذي يتيح لكل مكون أن يمارس خصوصيته في ظل دولة تعرف مرجعيتها، وتضمن حقوق مواطنيها، ولا تجعل التوازنات الاجتماعية بديلا عن الرؤية السياسية.
ثالثا: العربية بين الاعتراف الدستوري والتمكين المؤسسي
تبلغ المفارقة ذروتها حين ننتقل من سؤال الهوية إلى سؤال اللغة.
فالعربية ليست لغة وافدة على موريتانيا، ولا اختيارا إداريا عابرا، بل هي لغة تاريخها العلمي والثقافي، ولسان محاظرها ومدارسها التقليدية، وأداة تواصل واسعة بين أبنائها، فضلا عن كونها اللغة الرسمية للدولة.
ومع ذلك، لا يزال حضورها في بعض مجالات الإدارة والتعليم والحياة المؤسسية دون ما يقتضيه وضعها الرسمي. وهنا يظهر الفرق بين الاعتراف الدستوري باللغة، وتمكينها الفعلي من أداء وظائفها في المراسلات الإدارية، والتكوين، والقضاء، والتعليم، وسائر مؤسسات الدولة.
فليس من الطبيعي أن تظل اللغة الرسمية في حاجة دائمة إلى الدفاع عن حقها في الحضور داخل مؤسسات يفترض أن تكون هي لغتها. كما لا يستقيم أن يتحول التعدد اللهجي فى بعض المناطق الريفية إلى سبب لتأجيل التمكين الفعلي للعربية، أو أن يصبح تطبيق المقتضيات الدستورية موضع حرج كلما تعلق الأمر باللغة.
ولا يعني ذلك أن الاعتزاز بالعربية يقتضي إقصاء لغيرها فالتنوع اللهحي فى بعض المناطق جزء من الرصيد الثقافي الوطني، وصيانة حقوق المتحدثين به واجب ينبغي أن تنهض به الدولة. لكنه
لا يستلزم تعطيل العربية، ولا يجعل استعمال اللغة الرسمية في الإدارة انتقاصا من حقوق المواطنين الآخرين.
إن الدولة قادرة على الجمع بين الأمرين: تمكين لغتها الرسمية من أداء وظائفها كاملة، وصيانة الحقوق الثقافية لمواطنيها. وليس ثمة تعارض ضروري بين الأمرين إلا حين تتحول إدارة الحساسيات إلى عائق أمام تنفيذ الخيارات الوطنية.
فليس من الإنصاف أن تتحول المجاملة السياسية إلى قيد على حق الدولة في التعبير عن شخصيتها، ولا من الحكمة أن يُطلب من اللغة الرسمية أن تستأذن كي تمارس وظيفتها داخل مؤسساتها.
رابعا: من إدارة الحساسيات إلى بناء المشروع الوطني
إن جوهر المسألة لا يكمن في المفاضلة بين مكونات المجتمع، ولا في إقامة تنافس بين العروبة و غيرها ، وإنما في تجاوز حالة التردد التي تجعل الخيارات الوطنية رهينة لمخاوف متبادلة وتأويلات متعارضة.
فموريتانيا ليست مطالبة بالاختيار بين تاريخها العربي و موقعها القارى ، ولا بين لغتها الرسمية وحقوق لهجاتها الوطنية. إنها مطالبة ببناء صيغة وطنية واثقة، تجعل هذه العناصر روافد متكاملة لدولة تعرف نفسها، وتحترم مواطنيها، وتحدد أولوياتها دون ارتباك.
ويبدأ الخلل حين تتحول إدارة التوازنات إلى غاية في ذاتها، فيصبح تجنب الاعتراض أهم من اتخاذ القرار، وتغدو المجاملة بديلا عن الرؤية، ويظل الإصلاح مؤجلا خشية أن يُفهم على غير مقصده.
والدول لا تبني مستقبلها بإرضاء جميع الحساسيات في كل لحظة، وإنما بوضع قواعد واضحة وعادلة وتطبيقها على الجميع. فالمساواة لا تعني أن تتخلى الدولة عن مقوماتها، والوحدة لا تشترط تطابق ثقافات المواطنين، والاستقرار لا يستلزم إبقاء الأسئلة الكبرى بلا أجوبة.
إن المطلوب هو الانتقال من دولة تنشغل باسترضاء الحساسيات إلى دولة تدير التنوع بثقة، وتستند إلى مرجعية وطنية واضحة، وتجعل من مؤسساتها وسيلة لتحقيق التنمية والعدالة والمساواة، لا ساحة لتأجيل الخيارات التي يتطلبها تطورها.
خاتمة: من استقلال السيادة إلى استقلال الرؤية
إن موريتانيا، بما تملكه من تاريخ علمي وثقافي، وموقع استراتيجي، وإمكانات بشرية، مؤهلة لتجاوز إرث الوظيفة الاستعمارية إلى رحابة المشروع الوطني المستقل. غير أن ذلك يقتضي ثقة أكبر في الذات، ووضوحا في تعريف الهوية، وإرادة عملية لتمكين اللغة الرسمية، مع صيانة الحقوق الثقافية واللغوية لجميع المواطنين.
لقد رحل الاستعمار، وتغيرت الخرائط السياسية، لكن الاستقلال يظل مسارا يتجدد كلما امتلكت الدولة قرارها، وأحسنت التعبير عن شخصيتها، وراجعت ما ورثته من اختيارات لم تعد تلائم حاجاتها أو تعبر عن إرادتها.
فالدولة التي تعرف من تكون لا تحتاج إلى الاعتذار عن هويتها، والدولة الواثقة من وحدتها لا تخشى تنوع أبنائها. وبين هاتين الحقيقتين تقع المسافة التي ينبغي لموريتانيا أن تقطعها: من استقلال السيادة إلى استقلال الرؤية، ومن إدارة الحساسيات إلى بناء وطن يتصالح مع تاريخه، ويثق بلغته، وينفتح على محيطه من موقع الشريك الذي يعرف نفسه، لا من موقع الحلقة التي ينتظر الآخرون منها أن تؤدي وظيفة رسموها لها.

(1).gif)

.png)
.jpg)
.gif)

.jpg)

.jpg)